محمد هادي معرفة

567

التمهيد في علوم القرآن

إنّما ورد على جهة الاتّصال من غير واو ، تقريرا لما سبق من الجملة الأولى من عدم السماع ، وإيضاحا لها . وخامسها : أن تكون الجملة الثانية واردة على إرادة قطع الوهم على ما قبلها من الجمل السابقة ، ومثاله قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ « 1 » فإنّما وردت من غير واو ، دلالة على أنّ عطفها على ما تقدّم من الجملة السابقة متعذّر ، فلهذا وردت من غير واو ، رفعا لهذا التوهّم وقطعا له ، ويجوز أن تكون واردة على جهة الاستئناف ، تنبيها على البلاغة بمطابقة محزّها ومفصلها ، وإعلاما من اللّه تعالى بأنهم من أجل خداعهم ومكرهم مستحقّون من اللّه تعالى غاية الخزي والنكال ، وتسجيلا عليهم بأنّ اللّه تعالى هو المتولّي لذلك دون سائر المؤمنين ، ونبّه بالفعل المضارع في قوله : « يستهزئ » بحدوث الاستهزاء وتجدّده . فأمّا قوله تعالى : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ « 2 » فإنما أتى من غير واو ، لاندراجه على جهة البيان تحت قولهم : إِنَّا مَعَكُمْ « 2 » أي إنّا معكم على الموافقة على ذنبكم في التكذيب والجحود غير مفارقين لكم مستمرّين على اليهودية ، وكوننا معهم ليس على جهة التصديق ، إنما كان على جهة الاستهزاء والسخرية بما هم عليه من الإيمان ، فبهذا يكون ورود الفصل في كتاب اللّه تعالى . وللّه درّ لطائف التنزيل ، لقد أطلعت طلّابها على مطالع أنوارها ، وأوضحت لهم المنار ، فاستضاءوا بضوء شموسه وأنوار أقمارها . وأمّا الوصل فهو عطف الجملة على الجملة ، والمفرد على مثله . بجامع ما ، وهو قد يرد لرفع الإيهام كقولك : لا ، وأيّدك اللّه ، فالواو هاهنا جاءت لرفع الوهم

--> ( 1 ) البقرة : 15 . ( 2 ) البقرة : 14 .